عادل عبد الرحمن البدري

23

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

السياسي وتحرّكه ولذلك « تعتبر محاولات علماء الاجتماع والأنثر وبولوجيا في الوصول إلى شرح الدين ودوره في المجتمع جزءاً من التوجه العام في الانثروبولوجيا الاجتماعية نتيجة التحوّل من أفكار البناء نحو أفكار الفعل . وهذا بدوره نتيجة تجدّد الاهتمام بالتغيّر الاجتماعي الناتج عن الحركات المتأثرة سياسياً . وافتراض أنّ القومية أو العالمية سبقت أو اصطحبت أو طبعت بحركات دينية أثار بالتأكيد تفكيراً عميقاً حول الدين ، كذلك باعتبار أنّ بعض جوانب من الدين تلعب دوراً في الحفاظ على أشكال التراتب الاجتماعي والنظام في الحاضر والماضي » « 1 » . ومن هذا الأساس يمكن تفسير انبثاق كثير من الأحزاب والحركات الدينية التي تبنَّت العمل السياسي على نطاق قومي أو أممي أو إقليمي ، نظراً لسعة وشمولية الفكر الديني وقدرته على استيعاب طروحات الجماعات السياسية بمختلف اتجاهاتها ، ففي كلّ أنحاء العالم اليوم تمثل الحركات الدينية تيّارات قد تتباين قوّةً وضعفاً ، ولكن في معظم الأحوال لا يمكن تجاهلها بشكل تام في بعض الأحيان فقد يصبح فهمها وتحليلها ضرورياً لفهم حركة المجتمع فكلّ من له معرفة بالمجتمع الأمريكي مثلًا يلاحظ مدى انتشار الحركات الدينية وتنوعها واستقطابها لقطاعات كبيرة مهنياً وعمرياً وجغرافياً . ولكن مع هذا قد يرتكب المرء خطأ كبيراً إذا ظنّ أنَّ فهم هذه الحركات لتفسير النظام الرأسمالي وديناميته كاف ، أو حتّى ضروري ، بل ممّا لا ريب فيه أنّ العكس هو الصحيح . وهناك من يشير بقوّة إلى أنّ التقدّم الذي تحظى به اليابان اليوم لا يمكن تفسيره كاملًا دون الرجوع إلى النظام القيمي السائد في المجتمع ، وفي مركزة نظامهم الديني . كما أنّ النظام السياسي في الهند اليوم تشكّله بصورة مؤثرة ، ضمن قوى اقتصادية واجتماعية أخرى ، الصراعات الدينية . أمّا في روسيا التي كان يظنّ أنّ مسألة الدين فيها قد حسمت ، فإنّ التوجّه الجديد لإعادة البناء البيريسترويكا قد أظهر أنّ التوجهات الدينية ما زالت جذوتها مشتعلة ، أمّا العالم الإسلامي المعاصر فتلفّه اليوم موجة عارمة

--> ( 1 ) الدين في المجتمع العربي ، مجموعة كتّاب ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ص 37 .